أصلُ مقالي هذا ، حكايتان حقيقيتان و واقعيتان ( على غرار ما يجيء في مُقدِمة أشرطةِ الخيالةِ ) حدثتا مع فنَّانين معروفين من بلادِنا ، سأبدأ بهما السَّرد أولا ً.
الحكاية الأولى :
جرت في حوارٍ فنيٍّ مع فنان ٍ ليبيٍّ مشهور ٍ ، كانت النَّاس تترقبه في أحدِ برامج ِالمرئية المُباشِِرةِ ، فبعد أنْ قدَّم وصلته الفنية الأولى ، التي تغنى فيها ببعض ٍمن أغنياتِه القديمةِ ، التي لاقت استحسانَ الحضور ِ من الشُّبان ِ و الولدان ِ ، الذين لم يتسنَ لهم رؤيتها قبلا َ، على شاشتِهم
المحليةِ ، جاء بعد ذلك ، ليجلسَ إلى جانبِ الإذاعي المُحنكِ ، كي يتلقفَ أسئلتَه ؛ فما كان من الأخير ، إلا أنْ استأذنَ منه ، ليتابعَ معه و الحضور أيضا ً مشهدا ّ تمثيليا ًمن محفوظاتِ الإذاعةِ الخالدةِ ، اشترك في تأديته ، كُلٌٌّ من ( قزقيزة و سُمعة ) .. فماذا كان في هذا المشهد يا ترى ؟ .. كان ( سُمعة ) يعزف على آلة ( الأكورديون ) فدخل عليه ( قزقيزة ) مُتجهـِما ًو مُبدِيا ً استيائه ، بنهره ًإياه : كيف تسمح لنفسك بأنْ تكونَ مستلب الهوية ، عندما تعزف على هذه الآلة الغربية و الغريبة عن فنِّنا الأصيل ؟ بالطبع كان الحوار بالعامية الصحيحة ، و حاولت نقله إليكم بالعربية الفصيحة ؛ و لعلّكم قد لحظتم ، أنَّ زمن المشهد كان قصيرا ًجدا ً ، لكنه كان و ما يزالُ ينمُّ عن فكر فني منغلق ، حد الانكفاء على النفس ، و عن أمور ٍ أخرى ، سنتعرف عليها فيما بعد .
و على الفور بعد أنْ عادت الصورة إلى العدسة الرئيسة ، ظهر الإذاعي مبتسما ً، و من دون أدنى حياءٍ ، وجه إلى ضيفه السؤال الآتي : ها ما رأيُّ فناننا العزيز ، فيما شاهدنا منذ لحظات ؟ .
بدا ليّ الفنَّانُ متجهما ً ، من مغزى السؤال ، لكأنه أحسّ بأنه قد أُستقبِل في هذه الحلقة لمجرد إهانته هو و جمهوره ، و ليس للاحتفاء بأعماله ، فلو كان المسكين قد تفرج على الحلقات السابقة ، لكان قد ردّ على سؤاله ، بسؤال ٍ آخر ٍ : و ماذا عن الأغاني الشعبية ، التي تقدمها من خلال برنامجك ، و بخاصة منها ( المرسكاوية ) التي تُعدّ فيها هذة الآلة العمود الفقري في هذا الغناء الأصيل ( على حد قول المضيف ) الذي يدعو إلى التشبث به ؟ لكني ربما أكون من خلال هذه الصحيفة ، قد وجهت السؤال نيابة ًعنه مكتوبا ً ؛ ثم لماذا نذهب بعيدا ً، أ ليست مقدمة البرنامج الموسيقية ، عبارة عن رقص لبعض فتياتنا على وقع أنغام موسيقى ( الراب ) ؟ .
الحكاية الثانية :
في السنة صفر من عقد التسعينيات من القرن المنصرم ، و في إحدى حلقات برنامج ( أطيب الأوقات ) الذي كان يُذاعُ مباشرة ً، و بواقع حلقة أسبوعية كل يوم جمعة ، أعلنت الإذاعية على الملء ، بأنَّ أسرة البرنامج ، ستقوم في الأسبوع القادم ، نزولا ًعند رغبة المشاهدين ، بتقديم لقاءٍ فنيٍّ مع الفنَّان المحبوب ( ...... ) تمَّ تسجيله في وقت ٍ ماض ٍ، و مصداقا ً لذلك ، عرضت بعض
من اللقطات المُصوَّرةِ من هذا اللقاء الْمنشود ؛ و بعد أن مضى أسبوع ٍ بأكمله ، و جاء مساء يوم الجمعة ، لم نتابع اللقاء ، ليس هذا ما جرى و كفى ، بل أن البرنامج ، انتهى عند هذا الإعلان ، و توقف عن الإذاعة أكثر من عشرة أعوام متتالية .
من خلال هاتين القصتين الواقعيتين و المؤلمتين ، ننتهي إلى أن هناك من الحرس الفنّي القديم ، من يحاول ( أدّلجة الغناء ) وفق منظوره السطحي ، بتقديم ما يراه مناسبا ً من الغناء ، و تغييب ما لا يرتضيه ، و لو كانت الناس راضية ًعنه ، بدليل أنَّ ما جرى في الحكاية الثانية ، كان بعد أنْ علِم الجمهور بالنجاح الذي حقّقه الفنَّان ( ...... ) في القاهرة ، و بعد إصداره لشريطه الأول فيها أنذاك ، و الذي حظي باهتمام الناقد الكبير ' كمال النجمي ' رحمه الله ، و كان من أهم الشعراء الذين تعاون معهم فيه ' مجدي نجيب ' كاتب رائعة ( كامل الأوصاف ) التي تغنى بها الراحل ' عبد الحليم حافظ ' و لحنها الموسيقار الراحل ' محمد الموجي ' و أغنيتي ( غاب القمر ) و ( قولوا لعين الشمس ما تحماشي ) اللتين أدتهما الفنانة ' شادية ' .. هذا الفنان ، الذي كان يُفترضُ بأن يُجرى معه الحوار ، ليتعرف الجمهور على تجربته الرائعة ، بل بالأحرى ، أنْ يُقدَّمَ لأنه كان مُسجلا ً و جاهزا ً للعرض أصلا ً ، لولا أن تدخلت بعض الأيادي ، و حالت دون ذلك ، بعضُ الأمور الغريبة ، التي أدّت إلى توقيف البرنامج أساسا ً، و المفعول لأجله هنا ( انتقاما ً من هذا البرنامج ) .. لا أريد أن أطيل أكثر من ذلك ، لكني سأجيب عن سؤال ثان ٍ، كان الإذاعي الذي جئت على ذكره في الحكاية الأولى ، قد وجهه إلى ضيفه ، و هوَّ : لماذا لا نرى الأغنية الليبية ، تذاع في القنوات العربية ؟ .
و كم تمنيت أن أكون من بين الحضور في تلك الحلقة ، لأرعد في وجهه بدلا ًمن الإنسان الفنان الذي كان يستضيفه ، بقولي : ' بسبب مثل هذه الخروقات التي ترتكب في إذاعتنا ' .
أما أنتم أعزائي القراء ، فأظنني بكم تتساءلون : و من هما الفنانان اللذان كانا ضحيتين في هاتين الحكايتين ؟ .. لذا أجيبكم بأن الأول هو ' ناصر المزداوي ' مع مذيع ٍ تعرفونه جيدا ً، أما الثاني ، فحاولوا معرفته بأنفسكم ، و لكني سأذكر لكم اسم الإذاعية ، التي أجرت معه اللقاء غير المُذاع ، فهي المبدعة الغائبة ' فاطمة الشكري ' .. فهيا حاولوا أنْ تعرفوه .
زياد العيساوي – ليبيا
26 / 11 / 2007