اتصل بنا 
ملاحظات الزوار 
  • Libda in English  
  • الحداثة في غناء السيدة فيرو

     

    زياد العيساوي / الحداثة الغنائية - في مفهومها العام - التي ينشدها المتلقي العربي، هي تلك الخطوة التي تخرج الغناء العربي من رتابته وتقعره، لجهة التأليف الشعري - من حيث المضامين والكلمات - واللحني والموسيقي كذلك - بإعادة تأثيث التخت الشرقي، ورفده بالآلات الموسيقية العالمية - وهي ليست تلك الحداثة، التي أودّت به مؤخراً، إلى الانزلاق في هاوية الـ"فرنجة" ولا تحويله إلى غناء هجين، بطمس معالمه، باسم هذا المصطلح، الذي يتنطـّع به بعض المحسوبين عليه عبطاً، لكنها عملية مهمة وضرورية، لتجديد روح الأغنية العربية، وهي عملية صحية وطبيعية، تلزم هذا الفنّ، فينةًً بعد أخرى، ولا يمكن له أنْ يقف يوماً عند حدٍّ معين، كما هي الحال، في أي مجال آخر .
    فحتى في الكتابة، يحتاج الكاتب ونحتاج منه إلى أنْ يطوّر من ذاته، ولو كان موهوباً ومتمكناً من أدواته، عليه أيضاً، أنْ يستبدلها ويجدّدها، ولا يقف عند مكان معين، وإلا فسوف يفوته قطار التطوير، ويتركه وحيداً أو مع المتخلفين، عند المحطة التي استبقى نفسه فيها، بمسافات طويلة ؛ وعملية التحديث الغنائي العربي، انطلقت منذ فترة طويلة، على أيدي كبار الفنانين العرب، من ملحنين وشعراء ومغنين، مثل سيد درويش ومحمد عبد الوهاب وفريد الأطرش .
    ومن الشعراء تبرز أسماء كثيرة، لا مندوحة من ذكرها الآن، في هذا الصدد، والأمر نفسه بالنسبة للمؤدين المتمرسين والمتمترسين بالغناء العربي، والمتطلعين والمطـّلعين على فنون الغناء العالمي، وموسيقاه من كل حدب وصوب .

    في أوائل الخمسينيات من القرن المنقضي، شهدت لبنان، بروز تجربة يحسب لها ألف حساب في مجال الغناء العربي وتحديثه، بظهور الموسيقا الرحبانية، المتمثلة في الأخوين رحباني "عاصي ومنصور" فحتى من خلال الاسم الذي اختاراه لنفسيهما، كان أمراً غريباً على هذا المجال، حيث إنّ الثنائية الفنية، كانت تحدث بين اسمين لشاعر وملحن، لكنْ يذكر اسم كل واحد منهما على حِدة، لكنّ هذه الحداثة لم تقتصر على هذه التسمية وكفى، بل إنها تجاوزت هذا الأمر إلى أمر ثانٍ، وهوّ احتضانهما لصوت السيدة فيروز الذي مكنّهما من التعبير عن مضامين غنائية جديدة في كلماتها وموسيقاها وأدائها، بمهنية فائقة ومتجاوزة لأيِّ توقع، إذ أنهما وهذا الصوت العذب، لمع نجماهما في أفق سماء الغناء العربي، التي كان صوتها حاوياً لكل ما يطمحان إليه ويحلمان بتحقيقه، بيد أنهم جميعاً بدوا بلون جديد لم تألفه الآذان العربية قط، حتى أنهما ـ بمعيتها ـ كسراً القاعدة الفنية المعروفة، وهي لا نجاح لأيِّ غناء خارج عاصمة الغناء العربي " القاهرة" بهذا اللون البديع والساحر، الذي فرض نفسه لنجاحه وفرادته، منذ ولادته .
    وللتجربة الرحبانية مع فيروز، دورٌ فاعل ـ أعمق الفعل ـ في تحديث الأغنية العربية بطبوعها جميعاً، منذ انطلاقتهما وأياها، فقد تنوع تنويعهم وتحديثهم، وشمل مناحي كثيرة، وأبرز هذا التحديث، ألتمسه في فنّ القصيدة الغنائية، حيث إنّ السيدة فيروز، أسمعت الجمهور العربي، القصائد بأسلوب جديد، وجعلته صُحبة هذين الأخوين ـ بمفرداتهما وألحانهما ـ يرى القصيدة المغناة في ثوب جديد وحُلة قشيبة، لم يألفها من قبل، حتى وقع في غرامها بعد أنْ عشقها بمسامعه، عملاً بقول الشاعر أبي تمام الأذن تعشق قبل العين أحياناً وصارت في عينيه مثل عروس شابة جميلة، ينشد الواحد أنْ يظفر بها، فانصرف المستمعون يبحثون عن هذا اللون الجديد القديم، الذي كاد ينقرض، لولا فضل هذه التجربة وتجارب بعضٌ من الفنانين اللذين ذكرت أسماءهم من قبل .
    وللاطلاع على هذه التجربة الرائدة، بشأن هذا النمط الغنائي العربي، الذي كان لهؤلاء الثلاثة باعٌ طويلٌ في تحديثه، سأقوم بإجراء القرعة لاختار لكم من بين المئات من القصائد التي أنتجوها، واحدة فقط، كي أستدلّ بها في حديثي عنها، حيث إنّه في هذه القرعة، ومن المرة الأولى، فازت قصيدة "سنرجع يوماً" التي أبتدئ تحليلي لها، بتسطير كلماتها، فيما يأتي :
    قصيدة: سنرجع يوماً
    للأخوين رحباني
    غناء : السيدة فيروز
    ــــــــــــــــــــــــــــــــ
    سنرجع يوماً الى حينا ونغرق في دافئات المُنى
    سنرجع مهما يمرُّ الزمانُ وتنأى المسافاتُ ما بيننا
    فيا قلب مهلآ ولا ترتم ِ على درب عودتنا موهنا
    يعزُّ علينا غداً أنْ تعود رفوفُ الطيور ونحن هنا

    هنالك عند التلال ِتلالٌ تنام وتصحو على عهدنا
    وناسٌ هم الحب أيامهم هدوء انتظار شجي الغِنا
    ربوعٌ مدى العين صفصافها على كل ماءٍ وهى فانحنى
    تعبُّ الظهيرات في ظلها عبير الهدوء وصفو الهنا

    سنرجع خبرني العندليب غداة التقينا على منحنى
    بأنّ البلابلَ لما تزل هناك تعيش بأشعارنا
    وما زال بين تلال الحنين وناس الحنين مكانٌ لنا
    فيا قلب كم شردتنا رياح تعال سنرجع هيا بنا ..
    للوهلة الأولى، قد بدا للمستمع وقت إنتاج هذه الأغنية، أنها مثالٌ للقصيدة المطوّرة، لما قارنها بالقصائد التي في جعبته لقدامى المطربين والمطربات، بدايةً من زمنها القصير ولحنها الجديد المحتفظ بأساسه العربي، وكذلك من حيث الكلمة وضبط النطق والصوت الملائكي للسيدة فيروز، الذي تنساب ذبذباته إلى المسامع، كما طبيعيات الأصوات، ولا ريب أبداً في أنه قد خامره هذا التساؤل: أهو خرير ماء أم حفيف شجر أم تغاريد طيور أم ماذا بالضبط؟ صوتُ هذه المطربة، فعاد وأنصت إلى هذا الصوت المتدفق إليه، ليتأكد من ماهيته، وما خطر له بأنّ يكون لبشر، فهو صوتٌ مُعجـِز على الغناء، عصي على السمع والتخيُّل "إيجاباً لا سلباً" في حينه .
    لكنه الآن صار الأبرز بين الأصوات التي عاصرته والتي تلته، ولا غنى للمستمع عنه، لكونه يجيد لغة التعبير، ويستطيع الوصول إلى المستمع، وإنْ كان طفلاً، ومن حيث الناحية اللحنية، نستشفُّ بأنّ هذا العمل، لا يكاد يبدأ بمقدمة موسيقية، التي عادة ما تكون طويلة في القصائد القديمة، كما عهدت الأسماع في القصيدة الغنائية المعروفة قبلها، وربما ذلك لقصر زمنها - لانتفاء مبدأ التكرار في مذاهبها - فالسيدة فيروز في هذه القصيدة، تمرّ على أبياتها – ذكراً – مرور الكرام، ولا تعيد ولا تطيل بقاءها عند هذه الأبيات المُعمَّرة أبنيتها بالأحرف والكلم والمزخرفة بأنفس الأحجار الكريمة، وتتنقل بينها برشاقة كما الضبية في الروابي، لأنها تعبّر عن غناء الغربة، وهي العائدة إلى وطنها بالكاد تمس قدميها الأرض، بل تحلق إلى السماء، لتسابق رفوف الطيور، وتسفل تارةً، لتلامس سطح البحر وهي في علوها وهبوطها تتماوج كما الذبذبات، التي تعود إلى مرسلاتها بعد أنْ تصل إلى وجهتها المبتغاة، حال شدوها لهذه الكلمات :
    فيا قلب مهلآ ولا ترتم ِ
    على درب عودتنا موهنا
    يعزُّ علينا غداً أنْ تعود
    رفوفُ الطيور ونحن هنا
    ويزداد تحليقها بالغناء ـ شوقاً إلى وطنها الجميل ومن تركتهم فيه من أهل وأحبّة ـ وقت دخولها إلى هذا المذهب، الذي تغني في مطلعه :
    هنالك عند التلال ِتلالٌ
    تنام وتصحو على عهدنا
    وتزيد من سرعتها، التي يتحسّسها المستمع من خلال الحثِّ على العزف في الفاصل الموسيقي، الذي يعبّر عن مدى حنينها، وعلمها بأنه ما يزال مكانها محفوظاً بين أهلها وأحبابها، فتقول في أخر مذهب "قفلة العمل" من شعر الأخوين رحباني :
    سنرجع خبّرني العندليب
    غداة التقينا على منحنى
    بأنّ البلابلَ لما تزل
    هناك تعيش بأشعارنا
    و ما زال بين تلال الحنين
    و ناس الحنين مكانٌ لنا
    فيا قلب كم شردتنا رياح
    تعال سنرجع هيا بنا
    ولعلّ ذلك المستمع قد تساءل: أي طائر هو الذي تلبسته فيروز وشقّ هذه المسافة كلها، ولم يعرف اليأس إلى جناحيه سبيلاً؟ لكأنه بها، كانت تغني هذه الأغنية، وهي تطير على جناحي الشوق، زادها طوال رحلة عودتها، وصفٌ باقٍ في ذاكرتها لبلادها، غادرتها وهي عليه، وقد ارتسم في مخيلتها أثناء غربتها، فهي جعلت من تلك الصورة الناشبة - بإزميل الحنين - نصب ناظريها، ولم ترَ سواها لتدفع بجناحيها إلى الأعلى، بصوتها الذي يتصاعد فيناطح السماء، حتى يهبط في نهاية الأغنية، إيذاناً بوصولها سالمة .
    ماذا بعد؟ هل توقف التحديث في غناء السيدة فيروز الذي هو أصلاً تحديث للغناء العربي بعامة إلى هذا الحدِّ؟ طبعاً لا، ولكي اؤكد لكم على ذلك، سأضطر إلى إجراء عملية قرعة ثانية، لكني لن أكون أميناً معكم في إجرائها، فلدي رغبة جامحة، في أنْ تترشّح في هذه المرة للتحليل، أغنية "يا مايلة ع الغصون" لكونها تعجبني كثيراً، لكني لن أغشّكم في الحديث عنها، فطالعوا كلماتها أولاً :
    يا مايلة ع الغصون
    للأخوين رحباني
    غناء: السيدة فيروز
    يا مايلة ع الغصون عيني سمرا يا حورية
    ورد الهوى عندنا بيموج ع المية
    نسم علينا الهنا بألحان سحرية
    نحنا دعانا الهوى تا نلتقي بعيدو
    رحنا بليلة غوى نقطف عناقيدو
    وبعدو الحلو ما أرتوى وطابت مواعيدو
    وتهنا نغني سوا بليلات قمرية ..
    ليس ثمة أروع، من أنْ تتحاور الآلات الموسيقية، لتنتج نقاشاً مثمراًً وجُملاً مفيدة، لا كما تتحاور الألسن، التي تزعق بالجمل غير المفيدة، لأنها في أحايين كثيرة، لا تجيد أدب الحوار ؛ ففي بدء هذه الأغنية الراقية، يتحاور "البيانو" مع آلة "الأكورديون" ليسفر حوارهما، عن جملة موسيقية بديعة ورفيعة، غنّت على وقعها السيدة فيروز وهي ترشُّ نبرات صوتها عليها ـ كما الرسّام الذي يضع الرتوش الأخيرة على لوحته، بفرشاة ألوانه الزيتية ـ بأسلوبها التعبيري في هذه الأغنية، التي يتشابه لحنها وأداؤها، خصوصاً عند مطلعها، مع نظيريهما في القصيدة الغنائية، غير أنّ كلماتها صيغت بلهجة بلادها، فمن مظاهر التحديث في هذه الأغنية، سلاسة لحنها وبساطة موسيقاها وصعوبة أدائها، إلى جانب حداثة مضمونها، بطبيعة الحال .

    مدونة تفاعل للكاتب زياد العيساوي

    http://tffaool.maktoobblog.com /

     

     

    feedback

    adabiat fania

  • Modawna
    للكاتب زياد العيساوى
  •  

    جميع حقوق الطبع محفوظة© Copyrights reserved . www.libdacafe.com