
بعد علاقة سماعية طويلة لي، مع السيدة فيروز في أعمالها الكثيرة والمتنوعة، وجدت أنني، مرتبط بوثاق الطرب، مع العديد من أعمالها، التي لامست شغاف مسمعي، وأكثر ما شدني إليها بدرجة الامتياز، بعض من روائعها، الذي تميَز بأداء وصوت وألحان، يتباين مع بعضها الآخر، وأنا في هذه المقالة، لا أشهر عن ذائقتي، بقدر ما أريد أن ألفت أسماعكم إلى هذه الروائع، التي عرفتني بصوت فيروز الحقيقي، الذي أخفاه بعض الألحان، ولم يُظهر صوتها في القالب الأصلي، فهنالك أغنيات كثيرة، أدتها بسهولة جداً، ولم تستوجب منها، إظهار، ولو الحد الأدنى من روعة صوتها، بعكس الأعمال، التي سأخبركم عنها في هذه الفرصة، حيث إنها تعددت وتنوعت في ميادين وساحات الغناء جميعها
. 
من القصيدة الغنائية
ففي ساحة القصيدة الغنائية، تستوقفني كثيراً قصيدة لها بعنوان "ندى" من نظم الأخطل الصغير ومن ألحان الأخوين رحباني تقول كلماتها :
ندى بسمة ُ الورد للندى في الصباح ِ
ندى همسة ُالطُهر ِ في شفاه الأقاحي
ندى شُعلة ُالحُبِ قـُبلة ُالأرواح ِ
كم من وشاح ٍكسَاها الجَمالُ
...
أختُ الفراشاتِ يلعبن حالياتِ الجَناح ِ
لم تـُبق للزهر ِ والطير ِمن شذى وصداح ِ
رضابُها للحُميرة وخدٌ للتفاح ِ
كم من وشاح ٍ كساها الجَمالُ
...
ندايا من سلسل الخمرَ في الثنايا العِذابِ
من صفصف الشعر فوق الجبين سطر كتابِ
رددت لي بعد يأس ِ حُلمَ الهوى والشبابِ
من أنتِ؟ الله لما عضت على العُنابِ
وصفقت بيديها وهمهمت بالجوابِ
سل الرياحين عني وسل حنينَ الرَبابِ ..
في هذه القصيدة الحديثة الملامح، يظهر صوت فيروز في أجمل صورة له، بيد أنها، تغني على الطبقة الوسطى، التي لم توظفها في أغنيات كثيرة، بعكس الطبقتين الأخريين " المنخفضة والعالية" ذلك أن الملحنين، لم يلتفتوا إلى جمال صوتها عند هذه الطبقة، فصوتُها هنا، يظهر قريباً - إلى حدٍ ما - من صوت المطربة الراحلة أسمهان ذلك أن هذه الأغنية، سُجِلت في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، أي في بداية ولوجها إلى عالم الفن والغناء، وبحسب ما بدا لي، أن السيدة فيروز تأثرت كثيراً، بغناء أسمهان وهذا أمر طبيعي ولا ينتقص من قدرها، لكنها فيما بعد، سرعان ما تميزت، واستقلت بصوتها عنها، وعرفت بأدائها لغناء حديث لم تألفه الأسماع قبل ذلك؛ جمال هذه القصيدة مستمدٌ من اللحن الجميل، الذي أبدعه الأخوان رحباني وبموسيقاه الجديدة، وطريقة تحاور أصوات المجموعة مع المطربة، خصوصاً عند ترديد كلمة "ندى" في مطلع الأغنية، أما الكلمات، فهي أجمل من أنْ أخوض في جمالياتها، ويكفي أن أقول إنها للشاعر بشارة الخوري .
من الأغنية الحديثة
أغنية : شايف البحر؟
للأخوين رحباني
أداء: السيدة فيروز
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شايف البحر شو كبير؟
كبر البحر بحبك
شايف السما شو بعيدة؟
بعد السما بحبك
كبر البحر وبعد السما
بحبك يا حبيبي
...
نطرتك أنا ندهت أنا
رسمتك على المشاوير
يا هم العمر يا دمع الزهر
يا مواسم العصافير
ما أوسع الغابي وسع الغابي قلبي
يا مصور ع بابي ومصور بقلبي
...
نطرتك سني ويا طول السني
واسأل شجر الجوز
بشوفك بالصحو جايي من الصحو
وضايع بورق اللوز
ما أصغر الدمعة أنا دمعة بدربك
بدي أندر شمعي وتخليني حبك ..
لم أستمع في حياتي إلى أغنية، في مثل رقة وعذوبة وسلاسة هذه الأغنية، فهي غريبة، في كلماتها ولحنها وأداء صاحبتها، فللوهلة الأولى حين استماعك إلى هذا العمل، تتصور مضمونه تماماً، بيد أن ارتفاع "صول" آلة الكمان في المقدمة الموسيقية، يصور ارتفاع أمواج البحر، وتلاطمها بالصخور على الشاطئ، ليتناص اللحن والتوزيع الموسيقي مع المضمون إلى حدِ التماهي، ثم أن فكرة الأغنية، في حد ذاتها، من حيث البناء الشعري حديثة جداً، وبسيطة في تناولها وتشبيهاتها الطبيعية، من ذكر البحر والسماء، حيث إن الأول، يمثل الامتداد الذي لا نظير له على هذه البسيطة، أما السماء، فهي أعلى من أي شيء، يمكن أنْ تطاله الأعين، فليس في هذين التشبيهين، أية مبالغة، من الأخوين رحباني الذين سطر أبيات هذه الرائعة المعبرة، والأمر نفسه، ينسحب على ذكر الغابة وشجيراتها "اللوز" و"الجوز" من حيث وسعها ومساحتها، وهذه المسميات كلها، وظفت في هذه الأغنية، للتعبير للمُحِبِ عن مدى المحبة .
أما اللحن، فهو لحنٌ، تختلط فيه المشاعر الإنسانية ككل، من ود وشوق وعهد، وما نحوها من معان ٍ نبيلات، يتنقل سريعاً من جملة إلى أخرى من دون توان ٍ، ولا أية ربكة بين كوبليهات الأغنية، غنت على بساطه السيدة فيروز بحماسة وعشق للأغنية، على طبقة هي بين المتوسطة والعليا إلى جانب المنخفضة عند قفلة كل مقطع منه، ويلاحظ جمال صوتها في المقطع الذي تغني فيه :
يا هم العمر يا دمع الزهر
يا مواسم العصافير
ما أوسع الغابي وسع الغابي قلبي
يا مصور ع بابي ومصور بقلبي .
وبخاصة عند نطقها لحرف "الراء" فين نهاية كلمتي "العمر" و"الزهر" وهو حرف ثقيل على النطق، حتى أثناء الكلام، فما بالكم حين الغناء؟ فمن المعروف عن فيروز سلامة نطقها للحروف وإخراجها من مصادرها بشكل جيد، سواء من اللسان أو الحلق أو الجوف، وهذا ما مكنها - ربما - من أداء القصيدة الغنائية بشكل صحيح ؛ والواضح في قافية هذه الأغنية، أن اللهجة اللبنانية، تساعد كثيراً، على كتابة الشعر الغنائي، فكلمة " الغابة" في هذه الأغنية - مثلاً - كُتبت بالدارجة اللبنانية، هكذا "الغابي" فاتسقت قافيتها مع كلمة "قلبي" في حين أن، نهاية الكلمتين مختلفتان تماماً عن بعضهما البعض .
من الأغنية الطربية
ثالث الأغاني، التي تعجبني للسيدة فيروز هي أغنية "غالي الذهب" طالعوا - أولاً - كلماتها الآتية :
أغنية: غالي الذهب
للأخوين رحباني
غناء: السيدة فيروز
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
غالي الذهب غالي وضحكت عناقيدو
عالي الورد عالي وشو طالع بإيدو
غالي الذهب غالي وعالي الورد عالي
ويا حبيبي يا حبيبي يا ذهب الغالي
...
ما سألتو علينا عتبنا كتير
وع قد المحبة العتب كبير
يا أهل الدلال يا ساكنين البال
قلبي ع بواب الحبايب ضيع مواعيدو
…
فستان وإسوارة وعقد جديد
والحلق الفضة ليوم العيد
يرجع لي الزمان والهوى اللي كان
ويا حبيبي يا حبيبي عهد اللنا "لنا" انعيدو ..
الحقُ يُقال، إنني قد ادخرت هذه الأغنية، حين تناولي وطرقي لباب الأغنية الطربية في غناء فيروز لهذه المقالة، لأنها أجمل أغنية في مسامعي، تأتي في هذا المجال، لتكون أروع أنموذجاً، أستدل به وأسوقه لكم، ها هنا .
إيقاع الأغنية، يسفر عن طبيعة لونها من بدايتها، فهي تتراقص على إيقاع شرقي صرف، لكنه ليس مهيجاً للأطراف، وإنما للأحاسيس، وما يضبط ويتحكم في حركة هذه الأطراف، هو مضمون العمل، فهو معبر أكثر من كونه راقصاً، وصوت فيروز في هذه الأغنية، أخذ حريته في الأداء وبأريحية، لأن زمن غناء المقطع طويلٌ نوعاً ما، قياساً بزمن الأغنية القصير جداً، إذا ما قورنت بمثيلاتها في الأغنية العربية الطربية المعهودة، لجهة الزمن، ومع أن الجمل الموسيقية، تتكرر في هذا النغم، مثل الأغنية الشرقية التقليدية، إلا أنها تعدُ "طقطوقة" متطورة .
في هذه الجزئية الأولى من هذا العنوان، اخترت ثلاث أغاني للسيدة فيروز وكانت جميعها من ألحان الأخوين رحباني وسننظر في مقبل الجزئيات، إلى الفرق بين ألحانهما للسيدة، وألحان زياد الرحباني وسأتطرق إلى أعمالها مع الملحنين الآخرين كذلك .
زياد العيساوي
Ziad_z_73@yahoo.com
'''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''