السيدة فيروز في الأغنية الطربية

فيروز .. زهرة المساكين
استكمالاً لمقالي السابق ، عمّا جادت به السيدة " فيروز " في ميدان الأغنية الطربية ، حيث إنني ، قدّمت لها بخصوص هذه الأغنية - التي لها نكهة خاصة في أعمالها - بما قدّمه لها الملحن الكبير " فيلمون وهبي " و بعد أنْ خضنا في غمار المقال الأسبق ، في مضمار الحداثة التي عهد " الأخوان رحباني " على نفسيهما رعايتها ، بتلحين معظم أغانيها - التي جاءت على هذا النحو - لا يفوتني أنْ أبرز الوجه الآخر لهما مع السيدة " فيروز " فهما أيضاً ، قاما بجهد موسيقي عظيم ، لإظهار السيدة باللون الشرقي ، لكنْ ليس في صورة تقليدية للأغاني العربية السائدة آنذاك ، و إنما من منطلق منظورهما لهذه الأغنية ، بيد أنّ الموسيقار الراحل " عاصي الرحباني " قد أطلع بتوسع و تعمُّق على الموسيقا العربية إلى جانب العالمية و تريَّث طويلاً ، قبل أنْ يبدأ مشواره الفنّي ، صُحبة أخيه " منصور الرحباني " الذي نكنُّ له في " ليبيا " محبة خاصة و خالصة ، بسبب رائعته ، التي كتبها ، و تغنى بها ، الفنان " ملحم بركات " و هي قصيدة " يا ليبيا قدراً كان الطغاة هنا " .
فيروز و الأخوين رحباني
لندخل بعد هذه البسطة البسيطة ، إلى عالم الطرب مع السيدة " فيروز " و ما صنعه لها " الأخوان رحباني " من ألحان و أغنيات ، محفورات في وجدانيات المستمع العربي ، أينما كان و حيثما وجِد ، و لنقـُم بدايةً ، بما قد قمنا به في المقال الفائت ، حيث إنني سأدوّن لكم كلمات ثلاث أغان ٍ ، وقع عليها اختاري ، بطريقة القرعة ، إذ أنني استشرت ذائقتي ، فأشارت عليّ ، بأنْ أقلـّب دفاتر ذاكرتي غير المبعثرة ، جيداً ، و من ثم ، افتح مئات صفحاتها ، ثم أعد من الواحد إلى المئة ، و من يقع عليها الرقم الأخير من الأغاني ، سترشح في كل مرة ، و بعد عشر محاولات ، عليّ أنْ أجري التصفية الصعبة بين عشرة أغاني كانت من بينها هذه الروائع الثلاث :
1 - أغنية : سمرا يم عيون وساع
للأخوين رحباني
أداء سيدة الطرب : فيروز
سمرا يم عيون وساع و التنورة النيليي
مطرح ضيق ما بيساع رح حطك بعينيي
...
يا عيني ع هالعينين اللي ع دنية ورد انفتحوا
و كيفما التفتوا ع الميلين قلوب قلوب بينذبحوا
في نجم بلفتاتك ضاع حكيت عنك غنيي
و سحرك يللي ما بينباع مبكي الوردة الجوريي
...
لم بتكوني حدي بشوف الدنيي مزارع ورد و فل
جوانح تعباني و رفوف بساتين تزقزق و تطل
و لما الأسرار بتنذاع و بزعل من شي خبريي
بتقوليلي ارجع ارجع و مدري شو بيصير فيي
…
جالسين لنا و ع الحب مجتمعين و تنيننا ع المقعد مجانين
وتا قربي صوبي تنحكي شوي عيونك و قلبي و سر هالحلوين
امبارح كانت عم بتقول عصفورة لإختا بالسر
شالك يا سمرا مغزول من لون الزهر المخضر
خليني بعينيك شراع قاصد مينا منسيي
و إن شي مرة الزنبق شاع خبيلي منو شوي ..
2 – أغنية : راجعين يا هوى
للأخوين رحباني
غناء صوت الحنين : السيدة فيروز
راجعين يا هوى راجعين
يا زهرة المساكين
راجعين يا هوى على نار الهوى
...
منودع زمان منروح لزمان
ينسانا على ارض النسيان
منقول رايحين منكون راجعين
على دار الحب و مش عارفين
آه راجعين يا هوى
...
مغرور يا هوى يا هوى مغرور
يا حبيبي يا وردة على سور
نحنا العاشقين على طول عاشقين
وانتو بليالينا عايشين
آه راجعين يا هوى ..
3 – سألتك حبيبي
للأخوين رحباني
غناء : السيدة فيروز
سألتك حبيبى لوين رايحين؟
خلينا خلينا و تسبقنا سنين
إذا كنا ع طول التقينا ع طول
ليش منتلفت خايفين ؟
...
أنا كل ما بشوفك
كأنى بشوفك لأول مرة حبيبي
أنا كل ما اتودعنا
كأنا اتودعنا لأخر مرة حبيبي
ألى احكيلى نحنا مين ؟
و ليش منتلفت خايفين؟
و من مين خايفين من مين ؟
...
موعدنا بكرة و شو اتأخر بكرة
قولك مش جايي حبيبي ؟
عم شوفك بالساعة ب تكات الساعة
من المدى جايي حبيبي
و يا دنيي شتي ياسمين
ع اللى اتلاقوا و مش عارفين
و من مين خايفيـن من مين ؟ ..
كانت هذه الكلمات ، للأغاني التي سنسبر غور الطرب فيها ، في الفقرات الآتيات :
فيروز تطرب السمراوات :
في الأغنية الأولى ( سمرا يم عيون وساع ) من الوهلة الأولى ، تبدو من خلال كلماتها - المُطرَّزة كلماتها ذات اللهجة المحلية ، على قـُماشة التنورة اللبنانية المزركشة بألوان الورود - و مقدمتها الموسيقية القانونية ( بآلة القانون ) أنها أغنية مقنَّنة جيداً ، و قد خضعت لوقت مديد تحت الإعداد و الدراسة ، حتى خرجت للمستمع بهذه الكيفية ؛ تبدأ السيدة " فيروز " هذه الأغنية ، بثقة كبيرة في صوتها و بتماهٍ و انصهار مع جملتها و كلماتها ، فينساب صوتها و هي تغني المطلع ، بدخلة هامسة ، كما النسيمات الصيفية لتثّلج و تشنف الأسماع بهذا الصوت الساحر ، الذي يداعب فينا الأحاسيس ، حتى أنّ الواحد منا لا يبيت تهمه الكلمة ، بقدر ما يهمه الصوت الذي يحملها على أثيره ، و جمال صوتها هنا ، يكمن في غنائها على ثلاث طبقات صوتية في أغنية واحدة ، يناهز زمنها الخمس دقائق بقليل ، و بمجرد أنْ تدخل إلى الكوبليه الأول ، يبدأ صوتها بالانفلات و بالارتفاع بحذر و تأن ٍ منها ، للحفاظ على إيقاع الأغنية ، حتى أنها تترك نبرات حنجرتها تعمل بشكل آلي ، لما تصل إلى المقطع الذي تنشد فيه :
في نجم بلفتاتك ( ضاع ) حكيت عنك غنيي
و سحرك يللي ما بينباع مبكي الوردة الجوريي ..
خصوصاً حين نطقها لكلمة ( ضاع ) في المرة الثانية ، فلم أجد وصفاً يتماهى مع هذا الموطن الجمالي في صوتها و في الأغنية ككل ، إلا هذا التشبيه ، فهي في نطقها لهذه الكلمة ، كمن يرمي بقنينة العسل على الأرض ، و يجعلها تتدحرج ، و تدور فتدور ، ثم تستقر و تسكن حركتها ، فتتموضع في شكل معين ، و بعد ذلك ، يرى غطاءها ينزاح عنها ، و يبدأ العسل في التقاطر ، فتشتهيه العين و هو يترقرق بلونه الذهبي ، و بعيد ذلك ، تسفل طبقة صوتها رويداً رويداً ، و لكنْ بتسارع ، لتقفل هذه الجملة الموسيقية الضيقة ، على إمكانيات صوتها بشكل ملفت للسمع ، ليعود ذلك الرامي ليحافظ على ما تبقى له من العسل ، فيحكم إقفال تلك القنينة ، و تعيد " فيروز هذه المشهدية في البيت الثاني ، عندما تغني :
و لما الأسرار (بتنذاع ) و بزعل من شي خبريي
بتقوليلي ارجع ارجع و مدري شو بيصير فيي ..
عند كلمة ( تنذاع ) و كذلك في نطقها لمفردة ( شراع ) في المذهب الثالث الذي نصه :
خليني بعينيك ( شراع ) قاصد مينا منسيي
و إن شي مرة الزنبق شاع خبيلي منو شوي ..
و يفصل بين الـ ( كوبليه ) الأول و الثاني ، مقطعٌ موسيقي رائع و قصير جداً ، بالكاد تلتقطه المسامع ، لكنه مكثـّّف بشحنات من الشجن ، و روعة الإبحار في غياهب الخيال ، أما فيما يخصُّ الفاصل الموسيقي ، الذي يتخلـّل المذهبين الثاني و الثالث ، فقد أريد به ، أن ُينبئ المتلقي ، ليكون على أهبة الاستعداد ، لأنْ يتفطن إلى أنه في أخر مذهب في العمل ، ليعوّض ما لم يتحسّسه فيما مضى منه – صحيح أنه يستطيع أنْ يعيد التسجيل لغير مرة ، ذلك لمن لا يحضر طيف " فيروز " أمامه ، حين غنائها - و بأنّ المذهب القادم ، سيكون الأكثر شجناً بصوت " فيروز " الرخيم في هذه الأغنية ، فعند ذهاب " الأخوان رحباني " بنا إلى الـ ( كوبليه ) الأخير ، نستمعهم و هما يستهلانه بمقطع موسيقي جد طريب ، يحفـّزان المطربة من خلاله ، لكي تقول فيه ما أرادت و ليعطياها حرية التصرف و الغناء بقدراتها الطبيعية ، التي حاولت أن تجمحها في مطلع الأغنية ، لأنّ صوتها أكبر من غناء هذه الأغنية بكثير ، و هذا لا يعني بالضرورة ، بأنّ لحنها بسيط ، لكنه من السهل الممتنع ، و لا يجيده أداءّ ، إلا صوت في مثل مقام و قامة السيدة " فيروز " .
فهنيئاً لهذه السّمراء ، بهذه البديعة الغنائية ، فقد خلّدت السيدة اسمها ، في ديوان الغناء العربي .
فيروز تطرب المغتربين العرب
الانطباع الأوليّ الذي يستشعره المستمع في أغنيتنا الثانية ( راجعين يا هوى ) هو ذاته ، الذي تطبع في ذهنه ، لدى إنصاته للأغنية الأولى ، و ذلك من خلال إيقاعها الطريب - المصحوب بالتصفيق ، الذي أعتبره إيقاعٍ طبيعي ، و من الحركات الصوتية ، التي يصدرها الإنسان ، بمجرد أنْ يغرق في بحر الطرب ، فلا يلوح بكلتا يديه ، كالغريق في الماء المالح ، و إنما يضربهما ببعضهما البعض - الذي يحمل في طياته ، نغمة الفرح و الاستبشار بالرجوع ، الذي يقطعه المرء منا لمودعيه ، عند كل مطار أو ميناء أو منفذ بريّ ، و يأخذه الحنين إلى وطنه ، فهي حينما تغني :
منقول رايحين منكون راجعين
على دار الحب و مش عارفين ..
فهي تصف الحالة الطبيعية لكل من ينوي السفر ، فهو تلقائياً و ضمنياً ، يعلن عن عودته ، من حيث لا يعي ، فهذه الجبرية ، لا مناص منها لأيِّ مغترب مهما طالت به سنو هجرته و غربته ، على أية حال ، فهي أغنية تطرب الأشجان و الأحزان و تخرج المهاجرين من أجواء غربتهم ، و تعيدهم إلى تلك الأيام ، التي عاشوها في ربوع و أحضان بلدانهم ، بل هي أكثر من ذلك ، فحتى كاتب هذه المقالة ، الذي لم يذُق طعم الاغتراب المر ، في يوم ، شعر من عذوبة هذه الأغنية ، و أحسّ من خلال صوت السيدة " فيروز " الشفّاف ، الذي هو كما المرآة العاكسة ، بما يكابده هؤلاء في المهاجر ، و بحجم معاناتهم من خلال صوتها المسكين ، الذي أظهرته في هذه الأغنية ، و التبس صوت هؤلاء المساكين ، الذين يحنون إلى وطنهم ، كما ورد في مفردات الأغنية : ( يا زهرة المساكين ) أعرف بأنها تقصد ( وطن المساكين ) و ما الوطن من غير فيروز ؟ التي غنّت للمساكين ، وشدّتهم بالحنين إلى بلدانهم ، فهي أعظم أعلام وطننا العربيّ .
فيروز تطرب المحبين
في أغنيتها الثالثة ، التي معنا في هذا المقال ، يقدَّم " الأخوان رحباني " لحناً من أجمل ما يمكن أنْ يكون لصوت " فيروز " و مضموناً غنائياً ، قلما تغنى به الفنانون العرب السابقون و اللاحقون ، باستثناء " فريد الأطرش " في رائعته ( قالت لي بكرة ) و الفنان الليبي " أحمد فكرون " في أغنيته ( الشمس اتجي و اتعدي ) المسجلة في سنة 1979 ميلادياً ، التي أعاد أداءها ، و غيّر من لحنها و توزيعها الموسيقي في عام 2004 ميلادياً ، ضمن ألبومه الأخير ( عيون سالمة ) حيث إنّ الأول ، تناول في عمله مفهوم غياب الحبيب عن الموعد بعد انتظار طويل ، أما الثاني ، فتتشابه كلمات أغنيته على نحو واضح ، مع كلمات هذه الأغنية ، التي نظمها له مواطنه ، الشاعر الجميل " فرج المذبل " وقتما غني :
أنا و أنتي مش عارفين
من وين جينا و وين ماشيين ؟
لا فرحنا مع بعضنا و لا قدرنا ع الحنين
و الحيرة تلعب بينا .. تعبانة خطاوينا .
تعربُ " فيروز " في هذه الأغنية الجميلة - القريبة من نفسي كثيراً – عن لسان و غناء كل فتاة مُحِبّة ، أضناها البُعد و الفراق ، بسؤال الحيرة ، فطالما برأيها ، أنها و حبيبها ، يكنّان لبعضهما أخلص مشاعر الحبِّ ، فلمَ لم يحُن موعد لقائهما الأبدي ؟ الذي تنشده أية فتاة في مثل حالها ، و ذلك من خلال مطلع الأغنية ، الذي تتصدره بهذا السؤال الحائر و الطائر بصوتها إلى أبعد مكان يمكن أنْ يصل إليه صوت هذه الفتاة ، التي تندب سوء حظَّها العاثر ، فبعد أنْ تستهل الفرقة المقدمة الموسيقية بآلة ( الأكورديون ) الممتزجة نغماتها مع ( الكمانات ) تكتب على جدار حنجرتها هذا السؤال المنطقي ، الذي استدعاه العقل و التفكير ، و على الرغم من أنه جاء في بداية الأغنية ، إلا أنه ليس من باب الطرح لمعرفة السبب ، لكنه جاء تقريرياً ، أي بمعنى ، أنه خلاصة ما وصلت إليه بعد مراجعات طويلة مع الذات ، فهو سؤال عكسي المعنى ، فالظاهر منه أنه ناجم عن قلة حيلتها أمام المصاعب التي تواجها و حبيبها ، لكنه في الحقيقة سؤال واقعي ، ابتغت منه تجاهل الحذر و الخوف من مقبل الأيام ، و ترك مصير هذه المحبة للأقدار فهي الكفيلة بلقائهما ، مادامت باقية في قلبيهما ، على أية حال ، فإنّنا استمعنا إلى السيدة " فيروز في هذه الأغنية " فاستمتعنا بطعم مختلف تماماً عن غنائها في الأغنيتين السابقتين ، فقد بدا أداؤها معبراً أكثر ، و بمهنية فنية عالية ، تمكنت من تقديم هذا العمل ، خصوصاً في اندغام صوتها مع الفرقة الموسيقية التي تتباطأ و تتسارع بين الـ ( كوبليه ) و الآخر ، و بتمطيطه في مواضع كثيرة من الأغنية ، و في إطلاق العنان له ، عند قفلة كل مذهب ، ففي صوتها يكمن مظهر جمالي آخر و مهم ، و هو مرونته ، بحيث إنها تصعد سريعاً إلى أعلى درجة فيه ، و قدرتها الغريبة على أنْ تسفله و ترجعه إلى قواعده الأولى سالماً ، فالمدقق في صوتها هنا ، سيتعجب في سرعته المدهشة ، خصوصاً عند نطقها للفظة ( خللينا خللينا ) و سرعة لمّ شمله ، بعد أنْ تبعثّره في الأرجاء ، أثناء ترنمها بمقطع ( تسبقنا اسنين ) في أكثر من مرة ، و كذلك في تصاعده و نزوله في نهاية التفعيلة ، فركزوا عليها إذ تترنم بالآهة ، آهة الحيرة و الوجع .
تتمة ً لهذه المقالة و لهذا اللون الغنائي إجمالاً ، في غناء السيدة " فيروز " أقول بأنّ السيدة استطاعت أنْ تنقل المنهج التعبيري المسيطر على أدائها في فنها ، حتى إلى الأغنية الطربية ، من خلال العديد من الأغنيات التي أمدّها بها " الأخوان رحباني " و قد تنوعت في مضامينها و كلماتها و موسيقاها ، و لعلّ القارئ لمقالتي هذه ، يؤيدني فيما ذهبت إليه ، حينما تعنُّ على باله هذه الأغاني ، التي جمعت ثلاثتهم عند محطة الأغنية الطربية ، و هي ( غالي الذهب – سني عن سني – سألوني الناس – دخلك يا طير الوروار – نسم علينا الهوا – يا قلبي لا تتعب قلبك – تعى و لا تجي ) و ما نحوها ، فهي تـُعدُّ بالمئات .
زياد العيساوي
بنغازي – ليبيا
27 / 1 / 2010
Ziad_z_73@yahoo.com
'''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''