علي العَبَّاني : احتفاء الألوان بصياغة الحلم
علي العَبَّاني : احتفاء الألوان بصياغة الحلم
احميدة الصولي / تونس: يعتبر الفنان الليبي علي العباني أحد أهم رواد الحركة التشكيلية الليبية المعاصرة، وهو الذي تلقى دراسة أكاديمية في الفن، وخبر أسرار الاتجاهات الفنية الغربية، واستخدم أغلب تقنياتها في أعماله، بدأ تقلديا واقعيا ثم انتقل إلى الحروفية ومنها إلى نمط يتراوح بين التجريد والانطباعية، وإن كانت هذه الأخيرة هي الطاغية في أعماله، وهي التي لخص كلود موني روحها في مقولته : "نحن نرسم كما يغرد العصفور". هو فنان اصطبغت تجربته بسحر الطبيعة في تحولاتها وأحوالها، خاصة وهي تغزل الشفق في حالي الشروق والغروب، وامتزجت ألوانه بأغاريد الأطيار وأصوات الحيوانات وخرير المياه وتدفق الطيوب من شفاه الورد، تهمي به نسمات الصباح وندى الأصيل. هو فنان تكاد تلوح من كلماته أحلام الورود وحنين الأطيار إلى أعشاشها، يستقبل الشمس ويعانق القمر، ويمشط خصلات النجوم، لينسج من الكل تلك الحالات المبدعة، من خلال فورة الأحاسيس ودفق الفرشاة وحركتها الضاجة بالصمت المشحون دلالات .

يبدو أن البيئة البدوية التي عرفتها طفولة الفنان كان لها عميق الأثر في بناء شخصيته الفنية، تلك البيئة التي امتزجت مخيلته بها في الحل والترحال، عبر السهول المطلة دوما على آفاق المحيط، والتي تزخر بكنوز من ألوان التراث البصري، وهو ما ساعده على تكوين مخزون تحتفظ به الذاكرة البصرية ليكون فيما بعد منهلا ثرًّا لإبداعات تعكس فضاءات الروح وآفاق الحلم، وهو ما يبرز في أعمال السبعينات خاصة، حيث نعثر على آثار المرافق التقليدية للبادية والمجسدة في ألوان الأطباق وسروج الخيل وغيرها .

ولعل علي العباني يختزن من حكايا جدته الكثير، مما ساعد في تكوين حسه المبدع، تماما كما عرف ذلك الكاتب الروسي نيكولا جوجول الذي كان يقضي ليالي الشتاء أمام الموقد يستمع إلى حكايا جده التي كانت ذات تأثير بليغ في أعماله، خاصة في كتابه les âmes mortes الذي مات قبل أن ينهي الباب الثاني منه. كذلك أثرت تلك الحكايات في العباني وأصبحت الذاكرة السردية ترفد الذاكرة البصرية التي تغذت خاصة بسحر الطبيعة المعطاء، على ضفتي وادي (قومن) بترهونة مسقط رأسه .

أقام علي العباني ما يزيد على الخمسين معرضا، أكثر من نصفها خارج ليبيا، حيث عرض بأوروبا وآسيا وفي عدة أقطار عربية، منها مالطا واسبانيا وتونس. ولا يجد المتفحص أعمالَه أية صعوبة في تبين شغفه اللا محدود بالطبيعة، وهو الذي عرف عنه قوله : "إننا لا نرى الطبيعة إلا مرة واحدة لأنها نتبدل باستمرار". وفي ذلك من العمق الفلسفي الكثير، حيث أن العين ترى المشاهد دون أن تلاحظ تغيرها المستمر، تماما مثل تتابع اللقطات في السينما . وعندما يصوغ العباني مشهده إنما هو يصوغ حالات شعرية تكاد الألوان تضيق عما يشحنها بها من تلك الحالات .
كانت إقامته بروما للدراسة بأكاديمية الفنون 1974 قد فتحت له آفاقا ازداد الحلم فيها اتساعا. فقد مثلت روما بالنسبة إليه متحفا مُشرَعا على إبداعات عصر النهضة، وهو يعيش فيها برفقة ليوناردو ديفنشي ورفائيل وميكل أنجلو وتتسسيانو وكارافاجو وموديلياني وغيرهم إلى جانب فنانين معاصرين مثل مارينو ماريني وكابو غروسي وفونتانا… وهو إذ يكتشف ذلك كله فهو لم يتخذه إلا جانبا ثقافيا هاما يعود إليه في حالات التماهي مع التجارب الحديثة، أما مصدر إلهامه الرئيسي فهو طبيعة ترهونة وحكايات جدته .

وقد أصدرت دار الفنون بطرابلس ليبيا كتابا بعنوان : " علي العباني : معزوفة التجريد الطبيعي" يتضمن أهم أعماله للفترة من 1972 إلى 1997 ويضم 80 لوحة، قدم له كل من الطاهر الأمين المغربي وعلى مصطفى رمضان، وهو كتاب متميز فعلا، وأعمال العباني جديرة به وأكثر كما حصل على جائزة الشراع الذهبي في معرض السنتين بالكويت سنة 1975 . وقد كانت أعاله موضوع تظاهرات ثقافية، لعل آخرها التي أقيمت في الثلث الأول من هذا العام 2008 حيث شهدت قاعة الفنون الجملية بكلية الآداب بصبراطه أشغال الندوة التي حضرها طلاب قسم الفنون وعدد من المهتمين بفنون الصورة والألوان، تقديرا للقيمة المميزة للفنان، وما لتجربته الإبداعية من تأثير في صياغة لغة جديدة، ورؤية إبداعية أضافت الكثير إلى المشهد التشكيلي الليبي. وقد أدار الندوة الدكتور سعد التميمي الذي قال ضمن تقديمه للفنان : "نحن اليوم نستضيف فنانا ليبيا متميزا، يستضيفنا في مشهدية خاصة ومتفردة، تعبر بوضوح عن تجربة ليست سهلة، امتدت عبر سنوات وسنوات، لنلاحظ نموها كتجربة كبيرة أصبحت صرحا وعلامة في تاريخ التشكيل الليبي، ومن الممكن جدا أن تدعم كل الفنانين من خلال قراءة مشهدية جديدة، ورؤية جديدة وبإحساس يتوافق مع طبيعة الأرض الليبية ".
مدونة أحميدة الصولي


















