خواطر



'''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''

شارع النوّار

في يوم من أيام هذا الذي كلما طال قصر والمسمى بالعمر،

كان القدر يطارد في شوارع مدينتي المتربة الشوارع والمليئة بالغرباء.

كان متعبا ومغتاظا كذلك.

ما اسم مدينتي؟ الخمس اسمها، وسميت كذلك بناء علي دراسة عتيقة ذكر فيها أن خمس سكان المدينة فقط يدركون معنى الحب. والعلم عند الله! 

ما علينا، دخل هذا القدر بيوت المدينة وتجول في حواريها وشوارعها باحثا عن فريسة يتسلى بها في وحشية أو لكي "يفش فيها غله".

كان النهار قد انتصف وأطلقت شمس الصيف لأشعتها الملتهبة العنان، فراحت تطارد من ركن لآخر كل من تشجع علي البقاء خارج الظل.

ومع ارتفاع درجة الحرارة، ازداد غضب القدر ونزف بضعة قطرات من العرق تبخرت في الحال علي السطح المتعب والملتهب لأحد أرصفة (شارع النوار).

يسنطيع القدر أن يكون خفيف الظل عندما يريد وثقيل الدم عندما يكون عطشانا ومتعكر المزاج، خاصة عندما لا يجد فريسة مناسبة تتقبل بعضا من شحنات غضبه..وثقل دمه!

تسوّل القدر "طرف دلاع" من بياع الفواكه..رماه التاجرالبخيل بقشرة بطيخ عليها بصمات أسنانه.

أراد جرعة ماء، رماه صاحب المقهى بمنفضدة سجائر تنتظر التقاعد.

سأل عن "مختار المحلة" ليبثه مواجعه. نصحه غفير العزبة بعدم مقاطعة "المختار".

في هذا الزمن والوقت بالذات " مختار المحلة" يستمع لأخبار اذاعة لندن، ولا يسمح بازعاجه، والا..ذنبك علي جنبك! 

أشتكى القدر سوء خدمات المدينة لوردية كسولة تتبع "الحرس البلدي".

استّلوا منه بطاقته وعكازه وطاردوه حتى المرفأ.

أكتشفت فيما بعد أن القدر في ذلك اليوم كان ناقما علي كل شئ ومغتاظا منا جميعا!

وبالصدفة وجد نفسه "ملطوعا" علي بوابات مدينتي.

حاول القدر اللجؤ لظل وراء سور "مدرسة الرفاعي"، رماه بواب المدرسة بعصاة مديرها.

طلب كأس ماء أو " طاسة شاهي"، رماه نائب البواب ب "قرطاس رياضي" فارغ أتبعه ب "برّاد الشاهي".

وهرب القدر باتجاه البحر، تاركا ورائه البواب ونائبه يتحسران علي رحيل الفقيد المرحوم "براد الشاهي".

جلس القدر تحت نخلة بالقرب من (الفنار) يلتقط أنفاسه وليطبب حروق وبصمات سخونة شاهي حارس بوابة مدرسة تتعلم ابجديات التعليم!

تعجب هذا القدر لهدؤ منطقة (الشط)!

أحس بوجودي بالقرب من ظل أحد الكهوف البحرية بالقرب من (جبانة اليهود) المهجورة.

كنت أجلس في الظل وأستمتع بغرز قدمي خارجه في رمال ساخنة وناعمة لشط بحر أعتز بوجوده..وأعد امواجه الحائرة.

اقترب مني لاهثا، لكنه لم يفاجئني.

وبدون استئذان أخذ جرعة من ماء حياتي وجلس بجواري.

هذا القدر لم يجد أحد غيري في ذلك اليوم..في تلك الساعة والمدينة..وعلي هذا الشط!!!

قابلت هذا القدر من قبل..أعرفه ويعرفني.

هل أتشجع وأقول/ يا لسخرية القدر؟

تشجع هو وقال - أنت لا تعد أمواج البحر اليوم، بل تريد رؤية ما وراء الأفق. ما بك؟

- بالفعل اريد رؤية من أين تأتي الأمواج، لكنني كنت اعدها كذلك

- ما رأيك في عملية مقايضة؟ سأجعلك ترى منبع الأمواج مقابل أن آحتفظ بهذة المدينة المتعبة بكل ما فيها من تناقض لفترة بسيطة من الزمن. وساعطيكم درسا مجانيا

في فنون التعامل مع الحب ..مع الزمن ومع قدركم.

- ولماذا تريد ذلك؟ ومن قال لك أنني لا أحسن التعامل مع الزمن؟ أو مع الحب؟

- انت تعلم ذلك، لكنك تبقى مثلهم..كل واحد منكم يشتكي قدره الخاص به ويطارده..تطاردون قدركم وتحلمون بأقدار الآخرين..أنتم تتفنون في الحقد علي قدركم وتبالغون

في الاعجاب بأقدار الآخرين..انا هنا، أنا قدركم ولازلتم تبالغون في نكراني

- وسأبقى مثلهم. أعرف انك دخلت مدينتنا مهموما..لسنا السبب.

- ما رأيك في العرض الذي قدمته لك؟

- أنا لست في باب العروض..أريد أن أراها وأنت تخفيها عني وتبالغ في حرماني منها. ما أقساك يا قدري!

- هيا ما رأيك؟ سآخذ منك ما تملك..أو تعتقد أنك تملكه وذلك لفترة من الوقت تترك فيها كل شئ ورائك وتختفي وراء الأفق لترى منبع الأمواج وغروب شمس يومك

..في هدؤ وبدون أن يسألك أى كائن عما تفعله وحيدا بذاك المكان وقت الغروب.

- لكنني انا الآن هنا وحيدا، أعد أمواج البحر واستمتع بما وهب الخالق مدينتي وبدون مضايقة من أى أحد..ولا ينقصني الا.. الا..الا

- الا ماذا؟ هيا قلها وبسرعة قبل أن ينفذ صبري معك أنت أيضا

- ينفذ صبرك؟ ماذا عن صبري أنا؟ أنت تقايض أم تهدد يا قدر؟

- أنا اقايض والزمن يهدد..ما هو قرارك؟ ما ينقصك؟

- قد يكون لدي الكثير الذي لا أحس بوجوده بسبب غياب الحبيبة عن حياتي. كم أفتقد سماع صوتها الذي ضاع وسط ضجيج الأصوات والهتافات المكررة!

ولكن، لنتفق علي الآتى، خذ ما عندى فبعد اهمالها لحبي أشعر بأن كل ما لدي لم يعد له معنى، دعني أري الضفة الآخرى لهذا الكم الهائل من الأمواج وبشرط أن ترجّع لي ما أعطيتك

عندما أعود

- عندما تعود؟ أنا ليس لدي مصلحة كما تعرف، لكنني فقط أريد أن أراك سعيدا ولنتفق علي ذلك. لا استطيع أن أضمن لك أن ما ستتخلى عنه سيريدك ان عدت أو سيرغب في رؤيتك مرة آخرى.

- ادري أنه ليس لك مصلحة، لكنك القدرالعنيد. سأعود بالطبع، أردت يا قدري أم لا. وان تخلّت عني مدينتي، فلن يتخلى عني أهلي ولن تتخلى عني من نطق صدق قصائدي بحبها الأوحد.

هي هنا ومنبع المحبة والعشق هنا في هذه المدينة التعيسة اليوم..وهكذا ستبقى مدينتي منبع محبة تهزم طقوس الحب وتصارع المودة..لكنها ستتعلم وستتنتصر علي أميتها في ممارسة تعاليم العشق.

سأداوم علي عشقها والتغزل في كل موجة تسند جسدها المتهالك علي خصر شط مدينتي التي تعشق القمر ليس لجماله بل لأنه يأتي في الظلام.

فهل تريدني أن أعد أمواج البحر علي الضفة المقابلة كذلك؟

- هذا يرجع لك، لكن لا تنسى أن تعد أحزانك كذلك.

وكما ظهر القدر في تلك القيلولة، أختفى!

وها انا لازلت أجلس علي الضفة الآخرى لهذا الكم الهائل من الماء والأمواج.

لا أعد الأمواج..بل أعد أحزاني وسنينا مضت من عمري "بدونها" مللت عدها..ولايزال القدر يبحث عن فريسة أخرى

في مدينتي. ولم تنتصر مدينتي بعد علي أميتها في طقوس المحبة البريئة.

عفوا، نسيت أن أذكر أنني رجعت أكثر من مرة وحيدا لشارع النوار وللفنار ولكهوف الشط وشوارع لبدة وبحر السبيادجا والعويقه بعد كم سنة غياب.

وطالبت القدر بتنفيذ وعده بارجاع الامانة التي تركتها لديه، لكنه رفض الظهور لي، مثلما رفضت حبيبتي سماع قصائد الشوق التي كتبتها وأرسلتها لها مع آلاف الأمواج التي عددتها.

لم تتخلى مدينتي عني. فتحت ذراعيها لي من جديد.

لكن سيدة عشقي المؤبد تخلت عني..لم تفتح ذراعيها ولا قلبها ولا حتى شباكها لي.

أعذرك يا ملاكي! فمن تخلى عنك للقدر لا يستحق حبك.

القدرلم يتخلى عن مدينتي، لكنه نسى ما أخذ مني.

مرة آخرى، أجابه الامواج وحدي ولا أعدها.

أقترب من حزني.

أسمعه يعد أيامي.

أعيش هذا الحزن وهذا العمر بكل أحزانه وأمواجه

وقدره. 

فيا لسخرية القدر ويا لسذاجة من يطارده القدر علي شواطئ وفي شوارع مدينة علمته الحب اولا ثم صادرته منه..فقط لأنه استغرب غياب (النوّار) عن (شارع النوّار)!

يا وردة مدينتي الثائرة علي الحب،

يا قاسية في حبك، متى تحتضن يدي يدك،

لنزرع "النّوار" في شارع " النّوار" وباقي شوارع مدينتنا المتعبة.

~~~~~~~~~

حسين ارحومة

2005

''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''

 

جميع حقوق الطبع محفوظة© Copyrights reserved . www.libdacafe.com