اتصل بنا 
ملاحظات الزوار 
  • Libda in English  
  • فنلندا لم تعرف مصطلح "الحكومات الرشيدة




    فنلندا ل م تعرف مصطلح "الحكومات الرشيدة"..ولهذا تقدمت وتطورت

    جمهورية فنلندا بسكانها الذين لا يصل عددهم للخمسة ملايين ونصف المليون، لها دخل قومي يضاهي دخل الكثير من الدول النفطية او الصناعية العملاقة على الرغم من اعتماد الاقتصاد الفنلندي على تصدير الاخشاب وصناعة الورق وتكنولوجيا الاتصالات في السنوات الأخيرة.

    ضف الى ذلك أن فنلندا لا تملك بئراً واحدا للبترول وليس لها تاريخ استعماري تستفيد منه كما استفادت فرنسا وايطاليا وبريطانيا من الدول التي كانت تستعمرها.

    تُعدّ دولة فنلندا من أرقى الدول المتطوّرة في مجال التعليم ومجال الخدمات الاجتماعية بما في ذلك الدخل العالي للمواطن الفنلندي (حوالي 2900 يورو معدل الدخل الشهري للفرد لسنة 2008) وبها الكثير من الأشياء والممارسات الايجابية التي تفتقدها الكثير من الدول العربية ونتمنى ان نراها على ارض الواقع في دولنا العربية. تدل احدى الاحصائيات الصادرة عن منظمة الامم المتحدة على أن شعب فنلندا يعتبر من أكثر شعوب الأرض سعادة. هذا بالطبع لا يعني أن فنلندا هي جنة الله على الأرض أو أن المجتمع الفنلندي خال من التعقيدات او المشاكل الاجتماعية والفضائح السياسية..لكن وعلى سبيل المثال لا الحصر نجد أن قيمة الانسان وكرامته مضمونة للجميع ولا يمكن لأي فرد في هذا المجتمع التفريط في تلك المقدسات او المساس بها، وهذا كله يستند على دعامة مهمة واحدة تكمن في احترام الجميع للقانون واقتناع وتركيز الفنلنديين على أهمية العلم والتعليم الجيد للجميع والتحضر من اجل خلق شعب واع ومجتمع قابل للتطور والتطوير.

    هذة الأسطر ليست محاولة مني لتسويق فنلندا وبيعها للعالم العربي – بالرغم من ترحيب فنلندا بالاستثمارات الأجنبية - بقدر ما هي دعوة لكل الدول العربية من أجل الاستفادة ولو بربع من تجارب الدول الأخرى. فالشعب الفنلندي لم يمضي على خروجه من محن الحرب الاهلية (بين البيض والحمر) ومعارك حرب الوقوف ضد شهوات الجار الروسي والسويدي في التوسع الجغرافي والثقافي وتركه للغابة ليبني المدن وليشيد المدارس والمستشفيات والمصانع الا حوالي الستون عاماً فقط. اعتزاز الفنلندي بالانتماء لوطنه واصراره على الخروج من دائرة التخلف والفقر والتبعية ولينافس الجارتين المتقدمتين (روسيا والسويد) وايمانهم الكامل بمقولة "ان الوقت كالسيف ان لم تقطعه قطعك"، كانت هي الدوافع الاساسية التي جعلت هذا الشعب يستيقظ ويحقق في فترة وجيزة استقلاله الاقتصادي ونجاحه العلمي ولينافس اكبر وأعرق الدول المتقدمة علمياً.

    وضوح الرؤية الاجتماعية والقانونية والسياسية والاقتصادية لدى المواطن الفنلندي ووجود مؤسسات المجتمع المدني ودورها المهم المرافق لاحترام سيادة القانون ومؤسسات الدولة، اعتبرها من اهم اساسيات انتظام الظروف الحياتية في المجتمع الفنلندي..فالكبير والصغير..الرجل والمرأة..الوزير وعامل النظافة..الكل يعلم حقوقه ويدرك واجباته ويحترم القانون الذي تغطي مظلته الجميع. الكل يلتزم حدوده ويعلم ان حقه الدستوري الذي تنص عليه القوانين سيصله بدون توسيط قريب او شخص يملك منصبا مهما في الدولة ليتدخل في الموضوع كما هو الحال عندنا في أغلب الدول العربية. ضف الى ذلك أن القناعة التي نصفها نحن معشر العرب بأنها الكنز الذي لا يفنى، تلك الخصلة البشرية نجدها متوفرة ومتأصلة الجذور في الشخصية الفنلندية أكثر من تأصلها في الشخصية العربية.. والفنلندي انسان طموح لكنه بطبيعته قنوع وعملي الى ابعد الحدود..ويؤمن بأن القانون يلغيه قانون مدروس جديد وليس قرارا مرتجلا.

    وعند سؤال وزير التجارة والصناعة الفنلندي في احدى المقابلات الصحفية عن أسباب سعادة الفنلندي، قال أن أسباب سعادة الفنلندي تغذيها ستة عوامل هي:

    • عامل وهبه الخالق وهو طبيعة فنلندا الجميلة.
    • عامل نابع من الفنلنديين انفسهم ويكمن في استمتاعهم بالاخلاص في العمل وتقديرهم للوقت. وأربعة عوامل أخرى مصدرها الحكومة وهي:
    • الشفافية وانعدام الفساد الاداري.
    • العدالة الاجتماعية.
    • الاستقلال التام للقضاء.
    • التعليم الجيد الذي يرافقه الضمان الاجتماعي الممتاز.

    > ومع استمرار تواجد الاسباب الستة لسعادة الفنلندي، سيستمر تقدم وتطور فنلندا..وستظل فنلندا الدولة الرائدة في مجال انتاج التليفونات النقالة مثلاً بسبب تقدم علم وصناعة تكنولوجيا الاتصالات لديها وسنرى قريبا في اسواق العالم اول جهاز كمبيوتر تصممه وتنتجه شركة نوكيا الفنلندية، بينما لاتزال أغلبية الشعب العربي الأكثر استبدالا واستهلاكا لمنتجات نوكيا فنلندية الجنسية بسبب محبة الأغلبية من العرب للمظاهر والتفاخر بامتلاك احدث اجهزة نوكيا 2009 وبدون ان يكونوا قد استوعبوا كيف تعمل اجهزة نوكيا 1999!

    الفرق بين العقليتين واضح ويكمن في ان الفنلندي ترسخت لديه قناعة أهمية التعليم الجيد للجميع، بينما في عقلية الآخرين ترسخ حب المظاهر وشراهة الاستهلاك والاعتماد على دخل النفط واستخفاف بعض الحكومات بأهمية الاستثمار في البشر وذلك بعدم دفع وتشجيع المواطن نحو التعليم وتوفير كل السبل المطلوبة من اجل خلق الأجيال الواعية والواثقة بنفسها وفي قدراتها الفكرية. ومن نتائج استخفاف بعض الحكومات العربية بعقليات وامكانيات شبابها العلمية والفكرية تراها في نتائج الاحصائية التي تقول أن 54% فقط من العرب الدارسين بالخارج يعودون لبلدانهم الأصلية بعد انتهاء دراساتهم وتخرجهم.

    وتظل بعض الدول العربية تفتخر بوجود احد أبنائها بروفيسورا او طبيبا ناجحا في كندا او امريكا او في بريطانيا وربما تكتب عنه المقالات والاشعار وقد يزوره مراسل فضائية عربية ليجري معه لقاء صحفي، لكنه من الصعب ان تجد الحكومة التي ترحب بعودة العقل المتعلم المهاجر وتوفر له سبل الابداع والعطاء والحياة الكريمة..وكأن عقدة تفوق الخواجة فرضت على العرب الى يوم يبعثون..ويظل الدكتور والخبير والمهندس والفني والمذيع والصحفي المستورد أفضل من المحلي في نظر الكثير من المسؤولين العرب وللأسف.

    ربما ذهبت بكم بعيدا الى فنلندا وربما كان هذا مقصودا. والسبب وراء القصد هو أنني لم ارد الذهاب بكم قريبا والمقارنة بين أهمية التعليم في الدولة العبرية وبين أهمية التعليم في الدول العربية لأنني لو فعلت وبالرغم من علمنا بالفرق الشاسع بين الأهميتين، أعلم انه هناك من قد يتهمني ظلماً بالاعجاب بالتعليم في الدولة العبرية..ولهذا اخترت فنلندا!
    في فنلندا تقدم الشعب والدولة ليس فقط بسبب الموقع الجغرافي لفنلندا بل لايمانهم حكومة وشعبا بأهمية التعليم ولانهم لا يعرفون الانجازات الحزبية ولم ولن يصلهم مصطلح "الحكومات الرشيدة". ليس كل ما يحدث في الدول الأخرى بالضرورة مهم ومفيد ومناسب لنا، لكنني لا أعتقد انه هناك اختلافاً بين أثنين عاقلين على أهمية التعلم من تجارب الشعوب الأخرى في مجال التعليم الجيد وذلك اذا اردنا بالفعل الغد الأفضل لأوطاننا.

    لخصت السيدة تاريا هالونن رئيسة جمهورية فنلندا في مقابلة صحفية لها مع مذيع قناة الجزيرة السيد احمد منصور أثناء زيارته لها في فنلندا، لخصت أسباب تطور فنلندا وشعبها في ثلاثة عوامل هي:

    اولا التعليم.

    وثانيا التعليم.

    وثالثا التعليم.

    فهل نستفيد شيئاً من التجربة الفنلندية؟ هذا ما أتمناه مخلصاً والله من وراء القصد.

    حسين التربي

    اغسطس 2009

    جميع حقوق الطبع محفوظة © Copyrights reserved . www.libdacafe.com