تأملات في الوطن



تأملات في الوطن

فادي سعد / الوطن كالحبيبة. كلّما اقتربنا منه وقصرتْ المسافة رأينا عيوبه مضاعفةً، وكلّما ابتعدنا عنه، عرفنا أكثر قيمته وألم غيابه. في الحالتين المسافة غير مناسبة. هذه هي قصّة الاغتراب ومفارقته الكبرى .
***

أثناء زيارتي للوطن، وبعد تجوالي ثانية في شوارع مدينتي، بتّ أشعر في كلّ مرة أخرج فيها، أن ثمة وجهاً مألوفاً ينتظرني ويحدق فيّ عند كلّ زاوية ومنعطف ورصيف. وجه كان أحّد أسباب خروجي في الأصل، وجه خرجتُ كي أهرب منه. اقتربتُ منه لأتبيّن ملامحه بدقة، ولمّا فعلتُ عرفـتُه على الفور. كنا نسمّيه الفراغ .
***
لتجاعيد الوجوه هنا شكل خاص. معظمها حادّ عميق وقاس، وأغلبها حزين مُنكسر. الانكسار الظاهر على حوافها مؤلم للعين. لكنّه دائماً انكسار شامخ، كقصص البطولة التي كنّا نسمعها ليل نهار في شبابنا، من دون أن نتأكد من صحّتها .
ما أريد قوله أنّ لتجاعيد الوجوه هنا معنى خاصاً. خاصاً جدا. تفوح منها رائحة العرق غير المستورد؛ رائحةُ وطنٍ تجمَّل قليلا، لكنه لم يتغيّر كثيرا في العمق .
***
أيقظني في الصباح الأول صوت الأذان، فتذكّرتُ، وأنا ما بين اليقظة والنوم، أني عدْتُ .
*** 
لماذا يبدو العشب لبعض الناس أكثر اخضراراً على الطرف الآخر؟ لأننا – على الأغلب - نحسب أن ما نريد أفضل ممّا نملك، أو لأن هذه هي طبيعة الشهوة، أن ترغب دائما شيئاً مختلفاً، ومكاناً مختلفاً، وحياة مختلفة. مشكلة الألوان أنها خادعة، ومتقلّبة جداً إلى درجة الوهم .
***
من الممكن دائماً أن نُعقْلنَ الأشياء ونمنحها رداء فلسفياً، كأن نقول مثلاً: " المكان لا يهمّ"، وإننا "نحمل في ذواتنا مزاجنا ومصيرنا". من الممكن أن نفعل هذا ونستريح. إنه التفكير القدري نفسه، أن نقول إنّ العيش في ديترويت كالعيش في دمشق أو بيروت. لكنّنا إنّما نمسّد جسد الوهم ونتسلّى بلعبة خداع الذات. فالجلوس في مقهى في ديترويت ليس مماثلاً للجلوس في "الروضة" في دمشق، أو في "كوستا" في بيروت، وما نفعله في الحقيقة هو أنّنا نختار. أعلم أن الكلمة تبدو بسيطة جدّاً، لكنها مصيريّة جدّاً إلى حدّ الرعب .
***
سُئلتُ في زيارتي الأخيرة إلى بيروت عمّا تعنيه هذه المدينة بالنسبة لي. قلتُ إنّ بيروت هي الحريّة. ألا تمنح أميركا المرءَ حريّته أيضاً؟ سُئلتُ ثانية. صحيح، لكن ما يضفي على حريّة بيروت خصوصيّتها أنها مُقتنَصَة من فم الوحوش، وأنها حريّة مُحاطة بالنار والحرائق، وأنها تطلّ برأسها، بعناد، من خلف أسوار عالية، ولم تزل تقاتل من يحاول ترويضها. أيّ أنها – باختصار - حريّة عربـيّة .
***

مؤسسة جذور الثقافية 8 يناير 2010

 


 

جميع حقوق الطبع محفوظة © Copyrights reserved . www.libdacafe.com