غذاء البحر الأبيض المتوسط.. يحد من الأمراض
شجرة الزيتون المباركة هي هبة من هبات الخالق لخلقه، وهي شجرة معمرة ودائمة الخضرة ولها اوراق بسيطة تزهر وتثمر بعد حوالي اربع سنوات. هذة الشجرة المباركة التي أتى ذكرها في القرآن الكريم ، قد يصل ارتفاعها عند اكتمال نموها الطبيعي الى 15 مترا وقد تستمر فترة عطائها الى مئات السنين. شجرة الزيتون عضوة مميزة في فصيلة نباتات الزيوت، ولها قدرة عجيبة على مقاومة جفاف الطبيعة لفترات طويلة.
منطقة الشرق الأوسط هي الموطن الأصلي لشجرة الزيتون، وقد تم تصديرها لأوروبا وبقية دول العالم من منطقة الهلال الخصيب وشبه الجزيرة العربية وطور سيناء. ويكاد بعض الباحثين أن يجزموا بأن المنبت الحقيقي للشجرة المباركة هو "طور سيناء" استدلالا بقوله عز وجلّ " وشجرة تخرج من طور سيناء" (المؤمنون:20)، بينما يؤكد بعض الباحثين أن الحضارات السورية القديمة كمملكة ايبلا في شمال سوريا وما وجد بها من آثار، تدل على أن شعب تلك الحضارة كانوا هم أول شعب زرع شجرة الزيتون واستخرج منها الزيت.
ولشجرة الزيتون مكانة خاصة في الثقافات والحضارات القديمة لشعوب منطقة البحر الأبيض المتوسط كالفنيقيين والأغريق والرومان. ولقد نسجت الهامات وخيال تلك الشعوب المقيمة حول حوض البحر الأبيض، الكثير من القصص والاساطير حول نشأة الشجرة المباركة وأعتبروا غصن الزيتون رمزا للقوة وقدموه كهدايا ثمينة للملوك والامراء وزين به القياصرة تيجانهم. أشتهر الأغريق خلال زمن ازدهار حضارتهم وعند تنظيمهم للمسابقات الرياضية الاولمبية، اشتهروا بصنع الأكاليل التي كانت تتوج بها رؤوس الفائزين في تلك المسابقات الرياضية. وعند عودة الجنود من ميادين المعارك الى مدنهم وقراهم، كانت الجموع تستقبلهم فرحة ومرحبة بهم وهي تلوح بأغصان الزيتون ومنها كانت بداية تحول التلويح بغصن الزيتون الى اشارة لانتهاء الحرب والعداوة وأخذ غصن الزيتون مكانه كرمز دائم للسلام.
الشجرة المباركة في القرآن والسنة
قال تعالى : ( وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ).
قال تعالى : (وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِين). ويقول المولى عز وجلّ في كتابه الكريم : ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) النور-19. قال تعالى : ( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ )التين 1-2.
أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم باستعمال زيت الزيتون فقال : " كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة ". وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ائتدموا بالزيت .. وادهنوا به " ( صحيح الجامع الصغير 18 ).
فوائد شجرة الزيتون
استعمل زيت الزيتون في البداية كمصدر للطاقه عند حرقه، وتدل الكثير من الآثار المكتشفة في أماكن عديدة بمنطقة الشرق الأوسط ومنها الآثار الفرعونية بمصر وأماكن أثرية أخرى بسوريا وتركيا واليونان وايطاليا، على ان الشعوب القديمة لتلك المناطق عرفوا استعمال مصابيح الشوارع كأداة لانارة الطرقات ليلا، استخدم فيها زيت الزيتون كوقود.
لكن شجرة الزيتون وما يستخلص من ثمارها واوراقها، تعتبرمصدرا مهما وطبيعيا للغذاء الصحي ولبعض الأدوية التي يدخل زيت الزيتون وما يستخلص من عصارة اوراق الشجرة المباركة في تركيبها، كالمضادات الحيوية ومقويات جهاز المناعة لدى الانسان. ودلت التجارب المعملية التي اجراها الكثير من العلماء والباحثين في أماكن متفرقة من العالم، على أن استعمال ثمار وزيت شجرة الزيتون بانتظام في الطعام اليومي، يقلل من فرص اصابة المستهلك بأمراض السرطان والأمراض المرتبطة بالجهاز الهضمي لدى الانسان كقرحة القولون والمعدة وتشكل الحصاة الصفراوية. وقد وصل خبراء علوم التغذية الى هذة النتائج بعد دراسات مطولة للنظام الغذائي الذي يتبعه منذ القدم سكان حوض البحر الأبيض المتوسط، ولوجود الدليل العلمي الملموس الذي يقر بأن سكان هذة المنطقة أقل عرضة للاصابة بأمراض القلب وتصلب الشرايين مقارنة بالشعوب الأخرى. والسبب المباشر وراء ذلك هو استعمال زيت الزيتون بكثرة في الطعام اليومي لسكان تلك المنطقة، حيث ثبت أن زيت الزيتون المستخلص من ثمار هذة الشجرة المباركة غني بفيتامين E وبمادة بوليفون والدهون الجيدة الغير مشبعة والمميزة بمضادات الاكسدة التي تعمل على منع انسداد الشرايين. ومن المعلوم علميا أن حمض الدهن الآحادي المشبع يمكنه مقاومة التأكسد بصورة أفضل من مقاومة الحمض الدهني المتعدد، وهذا بالتالي يساعد على وجود الكولسترول الجيد بالدم ويبقي الكولسترول الضار في مستوى منخفض. هذا بالاضافة الى أن الدهون الجيدة الغير مشبعة التي يحتويها زيت الزيتون، تساعد على خفض ضغط الدم في جسد الانسان.
بالاضافة الى استعمال ثمار شجرة الزيتون وزيت الزيتون في اعداد وحفظ الطعام وصناعة الأدوية، لنتاج هذة الشجرة المباركة استعمالات أخرى في صناعات مواد التجميل والحفاظ على نظافة ونعومة البشرة وليونة الجلد كالصابون والكريم لدلك وتليين عضلات الرياضيين والشامبو لغسيل الشعر والمحافظة على نعومته.
اما بالنسبة للأنواع الرئيسية لزيت الزيتون فهي تنقسم الى: زيت زيتون بكر، زيت زيتون مكرر، زيت زيتون متبقي الزيتون وزيت زيتون مخلوط. وأفضل تلك الزيوت هو زيت الزيتون البكر ذو اللون الأخضر الغامق والرائحة الطيبة المميزة. الطريقة الأمثل لتخزين زيت الزيتون هي العلب الزجاجية المحكمة الاغلاق او العلب الطينية المبطنة بمادة عازلة لا ضرر منها على صحة الانسان، وأفضل درجة حرارة لتخزين زيت الزيتون تتراوح ما بين العشرة والخمسة عشرة درجة مئوية، مع تذكر القاعدة التي تقول ان مكان حفض زيت الزيتون ليس الثلاجة.
أكثروا من استعمال ثمار هذة الشجرة المباركة، ففي ذلك منفعة لأبدانكم لو تدرون.
حسين ارحومة التربي
هلسنكي - فنلندا