شاهي ليبيا



شاهي ليبيا.. رمز من رموز الكرم وطقس واجب الاحترام

بشرى محمد مروان

الشاى أو "الشاهي" على الطريقة الليبية له مذاق مختلف، وتميزه كمية كبيرة من الرغوة على سطحه وأكوابه الصغيرة التى يقدم فيها، والخطوات المتبعة فى تحضيره لا تجد لها مثيلاً فى أى مكان آخر فى العالم .

طقوس واجب احترامها

فى ليبيا لا يمكنك الفصل بين الشاى كمشروب وبين التقاليد المتبعة فى تحضيره، وعند حضور الضيوف إلى البيت الليبى من الضرورى تحديد الطريقة التى سيقدم بها الشاى منذ البداية، فالشاى فى ليبيا ليس مجرد نوع من الشراب ولكنه تقليد قائم بحد ذاته وله طقوسه الواجب احترامها، و جرت العادة على أن أول شيء يتم إحضاره منذ دخول الضيف هو المفرش الخاص بـ "العالة" "وهى المعدات المخصصة لتحضير الشاي" وموقد الغاز الصغير المخصص لهذا الغرض كدلالة على الترحيب بالضيف والرغبة فى قضاء وقت ممتع معه. ولا يخلو أى بيت ليبى من "العالة" وتهتم ربة البيت اهتماماً خاصاً بها وبكل متعلقاتها وتحرص بشكل كبير على نظافتها وإلا عرضت نفسها لثرثرة النسوة الزائرات، فكمية الرغوة لن تكون كافية إن لم تكن العالة نظيفة تماماً كما أن عدم ظهورها قد يجعل الزائرات يشربن الشاى على مضض أو ربما قد يمتنعن عن شربه وهو شيء لا تريده ربة البيت، فان حدث ولم تخرج الرغوة فان أول ما تقوم به صاحبة البيت هو إعادة غسل العالة متذرعة بحجج كثيرة منها مثلاً أن ابنتها الصغيرة النشيطة أصرت على غسلها بنفسها ولم تتقن ذلك حتى السنوات القليلة الماضية كان من المستحيل على الضيف أن يبدى أى عذر يعفيه من "شاهى العالة" ولم تكن الطريقة التقليدية فى تحضير الشاى والشائعة فى بقية أنحاء العالم مقبولة إلا عند الإفطار لأفراد العائلة الواحدة، أما بالنسبة للضيوف فقد كان من العيب أن لا يتم إحضار العالة بمجرد دخول الضيف إلى البيت. فى الوقت الحاضر ومع تطور الحياة اليومية يقوم المضيف بسؤال الضيف إن كان يرغب بشاهى العالة أو الشاى الخفيف، وكلمة الشاى الخفيف تطلق للتمييز بين النوعين لأن شاهى العالة يعتبر ثقيلاً حيث يتم غليه لفترة طويلة نسبياً .

. ويقدم شاى الرغوة فى جميع المناسبات تقريباً وتحرص الأم عند التحضير لعرس ابنها أو ابنتها على شراء ما لا يقل عن مئة كوب من أكواب الشاي. وحتى فترة قريبة كانت هناك دكاكين صغيرة فى معظم الأحياء السكنية مخصصة لشاى العالة حيث يقوم أحد الرجال وغالباً من كبار السن بإعداد شاى العالة ويقوم ببيعه للحاضرين ويكون الدكان مفروشاً على الطريقة العربية بفرش توضع على الأرض، وبهذه الطريقة يجتمع معظم رجال الحى حول العالة يتحدثون ويناقشون أمورهم الحياتية ومشاغلهم ويتسلون بشرب الشاى الذى غالباً ما يكون ثقيلاً، لدرجة أن بعض المؤرخين أطلقوا عليه اسم ويسكى ليبيا!  وقد قلت ظاهرة دكان "شاهى العالة" فى الوقت الحاضر ولكنها لمتندثر كلياً .

شراب الباشا

عرف الليبيون الشاى منذ القرن التاسع عشر حيث كان شراب الباشا وعائلته وضيوفه، وكان يقدم لضيوف البلاط القرمانلي، ثم انتشر فى البلاد مع مرور الوقت، ومنذ ذلك الحين تفنن الليبيون فى طرق تقديمه وفى الطقوس المصاحبة له. ومع تطور الحياة الاجتماعية لم يفقد شاهى العالة بريقه ولم تهمله عجلة التطور، فدخلت عليه الكثير من الفنون والطقوس بدايةً من أنواع المفارش

المستخدمة فى العالة، والتى قد تتغير بين الحين والآخر حسب الموضة، ومروراً بالأطعمة والحلويات المقدمة معه. ولا ننسى أن نذكر أن طريقة تقديم الشاى تختلف باختلاف المناسبة التى يتم تقديمه فيها، فطريقة التقديم المتبعة فى المناسبات السعيدة ليست هى نفسها المتبعة فى المناسبات المؤلمة، فمثلاً لا يتم تقديم الحلويات فى المناسبات غير السعيدة ويكتفى بأنواع الخبز وأنواع معينة من المعجنات مثل "السفنز ".

معدات العالة

تتكون العالة من طاولة صغيرة مغطاة بمفرش جميل مزخرف توضع عليه صينية بها عدة أكواب صغيرة، وإبريقن، وكوب معدنى ذو مقبض واسفنجة وإناء كبير به ماء لغسل الاسفنجة.، ومصفاة صغيرة، إضافة إلى مجموعة من الحافظات الجميلة يوضع فى إحداها الشاى الأحمر المجفف وأخرى الشاى الأخضر المجفف وثالثة يوضع بها السكر، وإبريق كبير من الماء وموقد غاز صغير كالذى يستخدم فى المخيمات "فى الماضى كان يتم استخدام الكانون وهو إناء فخارى يوضع به الفحم ويتم إعداد الشاى عليه ".

طريقة إعداد الشاى

يصب الماء فى أحد الإبريقين ويوضع على النار وتوضع به كمية من الشاى المجفف "الخشن" ويترك ليغلى مابين 10 إلى 15 دقيقة يصفى بعدها فى الإبريق الآخر ويعاد تسخينه. توضع كمية من السكر فى الكوب المعدنى ويؤخذ الإبريق المملوء بالشاى وتبدأ عملية صب الشاى من الإبريق إلى الكوب وبالعكس عدة مرات إلى أن تبدأ الرغوة بالتكون، وكلما تكونت بعض الرغوة فى الكوب توضع فى أحد الأكواب الزجاجية الصغيرة المخصصة للتقديم. تكرر العملية عدة مرات إلى أن تمتلئ جميع الأكواب بالرغوة، عندها يعاد تسخين الشاى ويوضع به بعض أوراق النعناع الأخضر ثم يصب فى الأكواب. فى أثناء عملية تحضير الرغوة قد يتناثر بعض الشاى على الصينية فيتم مسحه بالاسفنجة المخصصة لهذا الغرض. يتم تقديم الشاى مع الحلويات والمكسرات فى حال كانت جلسة الشاى عائلية أو كانت زيارة لمناسبة سعيدة أو جلسة للترويح عن النفس تجمع الجارات، أما فى حالة المناسبات الأخرى فتختلف طريقة التقديم .

طريقة التقديم

تكرر عملية تحضير الشاى وتقديمه ثلاث مرات " ثلاثة أدوار" فى الجلسة الواحدة وتغسل الأكواب جيداً بالماء والصابون بعد كل مرة يتم تقديم الشاى فيها لضمان الحصول على الرغوة فى كل مرة.ويقدم الكوبان الأول والثانى مع أنواع الحلويات أما الكوب الثالث فلا يتم تحضير الرغوة له حيث يملأ الكوب إما بالفول السودانى "الكاكاوية" أو اللوز أو البندق ثم يصب فوقه الشاي. فى بعض الأحيان يتم تحميص هذه الأنواع من المكسرات أمام الضيوف فى مقلاة خاصة. أما فى المناسبات غير السعيدة فيتم تقديم الأكواب الثلاثة مع أنواع الخبز أو المعجنات الخالية من السكر. الأطفال الصغار ممن لا يمكنهم شرب الشاى لسخونته أو لأنه لا يمكنهم الإمساك بالكوب عادةً تقدم لهم قطعة من الخبز بعد صب بعض الشاى عليها .

شاهى العالة فى رمضان

للشاى المعد على الطريقة الليبية نكهة خاصة خلال شهر رمضان حيث تحرص الكثير من العائلات، خاصة العائلات التى تتضمن كبار السن، على تجهيز العالة باكراً فيتجمع حولها أفراد العائلة وضيوفهم ولا تحلو السهرة إلا بها، كما أن معظم الشباب يجتمعون فى بيت أحدهم لتمضية السهرات الرمضانية بوجود العالة ويقومون بإعداد الشاى بأنفسهم. إذا فكرت فى يوم من الأيام فى زيارة ليبيا فاحرص أن لا تفوتك فرصة تذوق الشاى على الطريقة الليبية، لأن الليبيين هم الشعب الوحيد فى العالم الذى يقوم بتحضير الشاى بهذه الطريقة، وهى تجربة لن تنساها أبداً .

ا لمصدر / العرب اونلاين

 

جميع حقوق الطبع محفوظة© Copyrights reserved . www.libdacafe.com